فخر الدين الرازي
51
الأربعين في أصول الدين
المقدار ، فإنه لا يمتنع في العقل فرض وجوده أزيد من ذلك المقدار بذرة ، أو أنقص منه بذرة . والعلم بجواز ذلك ضروري . وإذا استوت المقادير الثلاثة أعنى : حصول ذلك المقدار ، وحصول ذلك الأزيد منه ، وحصول الأنقص منه استحال رجحان ذلك القدر ، على ما هو أزيد منه أو أنقص منه . الا بتخصيص مخصص ، وايجاد قادر . والا فقد ترجح أحد طرفي الممكن على الآخر من غير مرجح . وهو محال . وقد بينا في البرهان الأول : أن كل ما كان فعلا لفاعل مختار فهو محدث . فاذن قد ثبت أن كل جسم فهو متناه في المقدار ، وثبت : ان كل ما كان متناهيا في المقدار فهو محتاج في وجوده إلى الفاعل المختار ، وثبت أن كل ما كان محتاجا في وجوده إلى الفاعل المختار ، فهو محدث فيلزم الجزم بأن كل جسم محدث . البرهان الثالث : في حدوث الأجسام : أن الجسم لو كان أزليا ، لكان في الأزل حاصلا في حيز معين . ولو كان في الأزل حاصلا في حيز معين ، لامتنع خروجه عنه . فكان يلزم أن يمتنع على كل واحد من أفراد الأجسام ، كونه متحركا . ولما كان هذا الثاني باطلا ، كان القول بكون الجسم أزليا باطلا . أما المقدمة الأولى : وهي قولنا : ان الجسم لو كان أزليا ، لكان في الأزل حاصلا في حيز معين . فهي مقدمة بديهية . لأنا قد ذكرنا : أن المراد من المتحيز ما يمكن أن يشار إليه إشارة حسية ، بأنه هنا أو هناك وكل موجود هذا شأنه وصفته ، فإنه لا بد وأن يكون مختصا بجهة معينة ومكان معين . فثبت : أن الجسم لو كان أزليا ، لكان في الأزل حاصلا في حيز معين . ولو كان كذلك ، لكان حصوله في ذلك الحيز المعين : أزليا . وقد بينا في البرهان الأول أن الأزلي لا يزول . فكان يمتنع عقلا زوال ذلك الحصول . وإذا امتنع زواله ، امتنعت الحركة عليه . فثبت :